مصطفى صادق الرافعي

141

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

نظمه ، وإما الخروج بالكلام إلى نظم آخر في طريقة غير طريقته ؛ وذلك من أعجب ما فيه حتى ما يقضي منه البليغ عجبا ومهما أراغ « 1 » الإنسان وجه التخلص إلى معارضته بمثل نظمه فإنه يرى نفسه بإزاء ألفاظه من أين دار وكيف انقلب ، ولا تنصرف هذه الألفاظ عنه إلا أن يزيغ طريقة أخرى من الكلام فتتلقاه اللغة بألفاظها وتراكيبها من كل جهة حتى يسعها وتسعه . فهذه هي إحدى الحالتين ؛ والأخرى أن يكون من يريد معارضة السورة القصيرة قد ذهب مذهبا لا يتقيد فيه بنظم القرآن ولا بأسلوبه ، وإنما همّه في المعارضة أن يجوّد ويبيّن اللفظ ويجزل قسطه من الصناعة ، وأن يتولى الكلام بالرؤية والنظر حتى يخرج مشرق الوجه مصقول العارض دقيق الصنعة بالغ التركيب ، وهذه حالة تنتهي إلى عكسها ، لأن مثل ذلك لا يتأتى من أساليب البلغاء في الألفاظ الموجزة والعبارة القصيرة ، إلا أن تكون مثلا مضروبا ، أو حكمة مرسلة ، أو نحو ذلك مما يقصّر بطبيعته في الدلالة وتستوفي القصة أو الحالة المقرونة به شرح معناه ويكون هو روح هذا المعنى ؛ فإنه ما من حكمة أو مثل أو ما يجري مجراها إلا وأنت واجد لكل من ذلك قصة قيل فيها ، أو حالة قيل عليها ؛ ثم لا يقع من نفسك موقعا يهز ويعجب حتى تكون القصة أو الحالة أو ما تفهمه منهما قد سبقته إلى نفسك ، أو صارت معه إلى ذلك الموضع منها ، فإن أنت وقفت على حكمة لا تعرف وجهها ، أو سمعت مثلا لم يقع إليك مساقه ، أو لا تكون معه قرينة تفسره ، فقلما ترى من أحدهما إلا كلاما مقتضبا أو عبارة مبهمة . تخرج مخرج اللغز والمعاياة ، واحتاج على كل حال إلى روية تتنزل منه منزلة ذلك الشرح الذي يعطيه مساق القصة أو صفة الحالة ، وانظر أين هذا من أغراض السور والآيات الكريمة ؟ . فأنت ترى أن معارضة السور القصار « 2 » أشد على المولّدين ومن في حكمهم من

--> ( 1 ) أراغ : أراد وطلب على وجه المكر . ( 2 ) إن لهذه الصور القصار لأمرا ، وإن لها في القرآن لحكمة من أعجب ما ينتهي إليه التأمل حتى لا يقع من النفس إلا موقع الأدلة الإلهية المعجزة . فهي لم تنزل متتالية في نسق واحد على الترتيب الذي تراه في المصحف : إذ لم يكن أول ما نزل من القرآن ولا آخره قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثم هي بجملتها وعلى إحصائها لا تبلغ من القرآن أكثر من جزء واحد ، والقرآن كله ثلاثون جزءا . وهو يتسع من بعدها قليلا وكثيرا حتى ينتهي إلى الطوال . . فقد علم اللّه أن كتابه سيثبت الدهر كله على هذا الترتيب المتداول ، فيسره للحفظ بأسباب كثيرة أظهرها في المنفعة وأولها في المنزلة هذه السور القصار التي تخرج من الكلمات المعدودة إلى الآيات القليلة والتي هي مع ذلك أكثر مما تجيء آياتها على فاصلة واحدة أو فواصل قليلة مع قصر ما بين الفاصلة والفاصلة ، فكل آية وضعها كأنها سورة من كلمات قليلة لا يضيق بها نفس الطفل الصغير ، وهي تتماسك في ذاكرته بهذه الفواصل التي تأتي